المناوي

114

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

( 43 ) أبو جعفر المجذوم « * » كان من الأتقياء الأبرياء ، الضّعفاء الأقوياء ، الأولياء الأخفياء ، وكان مكينا خاضعا ، والحقّ له معينا صانعا . ومن كراماته : أنّ الأرض كانت تطوى له . قال أبو الحسين الدرّاج : كان يصحبني عند إرادتي الحجّ كلّ سنة جماعة من الفقراء المشاة ؛ لمعرفتي بالطريق والمياه ، فحجّيت سنة منفردا ، فرأيت رجلا مجذوما مبتلى في محراب مسجد القادسية ، فسألني الصّحبة ، فقلت في نفسي : هربت من الأصحّاء الأقوياء أبتلى بمجذوم مثلي « 1 » ، فقلت له : لا ، فقال : افعل ، فقلت : واللّه ، لا فعلت ، فقال : يصنع اللّه للضعيف حتى يتعجّب القويّ ، فقلت : نعم - كالمنكر عليه - وتركته ، وسرت ، فدخلت مسجد المغيثة « 2 » ، فإذا به جالس في المحراب ، وسلّم وقال : يا أبا الحسين ، يصنع اللّه للضعيف حتى يتعجّب القوي ، فاعترضني الوسواس في أمره ، فتركته ، وذهبت ، ثم دخلت القرعاء « 3 » ، فوجدته جالسا بالمسجد ، فقال : يا أبا الحسين ، يصنع اللّه للضعيف حتى يتعجّب القوي ، فوقعت على وجهي بين يديه ، وقلت له : المعذرة يا سيدي ، قد أخطأت ، وسألته الصّحبة ، فقال : قد حلفت ، وأكره أن أحنثك ، قلت : فأراك في كلّ منزل ؟ قال : نعم ، فزال ما كان بي من التعب والجوع ، وصار يجتمع بي في كلّ منزل ، حتى وصلت المدينة غاب ، فلم أره .

--> * حلية الأولياء : 10 / 333 ، تاريخ بغداد : 14 / 415 ، نفحات الأنس 141 / أ ، جامع كرامات الأولياء : 1 / 269 . ( 1 ) في الحلية : بمجذوم مبتلى . ( 2 ) المغيثة : منزل في طريق مكة بعد العذيب . معجم البلدان : 5 / 162 . ( 3 ) القرعاء : منزل في طريق مكة من الكوفة ، بعد المغيثة . معجم البلدان : 4 / 325 .